404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • الجمعة، 3 أغسطس 2018

    هوس في منتصف الليل...




    المجموعة الرابعةD : على حافة سطر
    هوس في منتصف الليل...
    اقترب، اقترب أكثر أريد أن أخبرك سر... هم موجودون حقا... من هم ؟ سكان العالم الآخر ، إن كنت تظن أن بإمكانك الفرار منهم، أنت مخطئ، هم يأتون دون موعد دون وسيلة نقل، كل ما تسمعه ليلا من أصوات ليس مجرد هلوسة، إنهم هم يضعون الخطط لاختراقك، اهرب الآن اركض أنفذ بجلدك، فات الأوان لقد عرفوا خطتك التي وضعتها للهرب، لترقد روحك بينهم بسلام صمتا لا تتفوه بكلمة أخرى سيسمعون كل شيء حتى ذلك الحوار الذي يدور بينك وبين نفسك، هل خفت إنها الحقيقة، حتى أثار الضرب و الكدمات الزرقاء التي تجدها أحيانا على جسدك هم من تسببوا بها في محاولة منهم لقتلك...
    ما خفي أعظم.
    تأكد لي كل ما سبق بعد أن عايشتهم ، قد تظن أن كل ما سأقوله الآن مجرد هراء، لا بأس فأنا أيضا لم أكن لأصدق ما حدث لو أن احدهم قصه علي، لكن صدقني كل ما سيروى هو الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة.
    لا تقاطعني حتى أكمل القصة وبعدها لك حق التصديق آو العكس ، بإمكانك أيضا أن تتهمني بالجنون فقط لا تقاطعني، أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا كنت شابا مثل باقي الشباب لست مستهترا حد الانحلال ولست ممن يحافظون على صلاة الفجر في وقتها ويحصنون أنفسهم بقراءة القرءان في كل ساعة، كنت ما بينهما، أحب الله واسمع الأغاني، أصلي ولكن أحيانا وساوس الشيطان تجعلني أكمل جلساتي مع أصدقائي، عشت مرحلة أصبحت فيها ذلك الشاب الذي يطلب خياله المزيد من المغامرة كأن يصور له مشاهد معهم ، أتتساءل مجددا من هم إنهم سكان العالم السفلي.
    سأقص عليك بعضا من التفاصيل فلا تقاطعني، و بسبب بقايا الجنون التي تركوها في سأسميك ياسمين، إني أحكي لك كي تفهمي ما مر عبر هذا الجسد و ما قبع هنا، لا أقصد ب"هنا" في قلبي أو بين أضلعي الهشة جراء تآكلها بفعل ملح الدموع و المعرضة للتفتت بأي لحظة ، هنا كانت زوايا الغرفة التي سميتها واحدة واحدة، أورال، طنطل، بافوميت و سيليتهرين، ياسمين لم أكن صغيرا جاهلا بما أفعل بل كنت مراهقا طائشا أحاول اختراق الحدود، أجل حدودنا...
    أنبتني مرة أمي و صفعني أبي كي أتخلى عن عادتي و أتخطى هوسي ذاك، لكن في وقتها شعرت أن والداي لا يفهمان رغبتي لا يهتمان بأمنيتي، لم أكن أريد هذا العالم و كلما ألقى الرفض تزيد خيبتي.
    تقول ياسمين: لم أفهمك جيدا هل تريد إخافتي مثلا؟ تحدث بالسهل الممتنع.
    - لم يكن رفيقا، و لا شخصا واحدا و لا حتى إنسان، إنه شيء خارج عن ما يفهمه العقل و تراه العين، هو من بعد أخر لكن موجة الزمكان جعلت البعدان متلاصقان لا يفصل بينهما إلا حاجز لا أدري كيف وصلت إليه، كبحر عالمهم، غريب عميق و مخيف، و كالشط ذلك الحاجز، كرمال ذهبية وقت المغيب اكتسبت لونها حين تدفقت على حين غفلة من الشمس حمرة خجلها فوق الأفق و اكتست الغيوم القليلة المتناثرة في السماء حلة من الازاورد، و أنا... أنا كطفل صغير يرغب في كشف أسرار البحر يقترب منه، لكن سرعان ما يتراجع إلى الخلف فور ما تحاول الأمواج ملامسة قدميه.
    ياسمين: أنا لا أفهمك؟
    و أنا لا أحب حين يناديك البعض يسمين متناسين الألف الممدودة مد السمآء و الوفآء و الجمآل، لا أحب حين يختصرون المسافات في اسمك و لا عبق الشام المنبعث منه، ياسمين...
    ياسمين: حقيقة لم أعد أفهمك.
    توقفنا عند الحاجز، كان مصباح علاء الدين السحري -أو بالأحرى الجني الذي يسكنه- يثير رغبتي في الحصول على واحد كي أحضا بما أريد دون تعب، غادرتني فكرة الطفولة و عادت تحمل معها أجلالا من الجنون المغموسة في السكر في مراهقتي، تعرفين يا ياسمين أن السكر أسوء و أصعب إدمان بعدك، أصبحت أبحث عن طرق للوصول للعالم الأخر، كنت أضع رأسي في حضن أورال أغلب الوقت، أي في الزاوية و أتحدث معها، أورال كيف حالك؟ أورال أتسمعني؟ إني أريدك أن ترد علي، أريد أن تكون صديقا لي، أوراااال...، بقيت على تلك الحالة أردد ذلك الحوار مع بترا، سيرا و رول، مرت الأيام و الأسابيع.
    قاطعته ياسمين قائلة بنوع من الترقب و الخوف و التردد: و لم يرد أحد؟
    - و يا ليت ما قلته صحيح، في مرة دخلت إلى غرفتي و الغضب يملؤني، رميت بحقيبتي على الأرض و دخلت إلى سريري و أغمضت عيناي، غفوت حتى جاءني صوت من أورال، همس لي، أنا هنا، نهضت مفزوعا من نومتي و جسدي يتصبب عرقا حتى أكاد أغرق به، أقنعت نفسي أنه مجرد حلم و عزمت على أن لا أكلم زوايا الغرفة مرة أخرى، و قبل أن أقوم بأي حركة ناداني بصوته الطفولي "تعال" استدرت أملا أن يكون هنالك أحدهم لكني لم أجد غير زاوية الغرفة "أورال".
    متسمرا في مكاني لا أقوى على الحراك و لا على النطق حتى، خانتني الكلمات و عجز صوتي عن تخطي حنجرتي، تجمدت من البرد و ساد صمت رهيب يشقه و صوت تنفسي الثقيل، بعد ثوان خيلت لي أنها دهر صرخت مناديا أمي فجاءتني مسرعة، قصصت لها ما حدث فقالت لي أنها مجرد تخيلات و أوهام، و انه لا يجب علي محادثة الجدران مرة أخرى، بعد ثلاث أيام من أول كلمة يقولها لي اورال سمعت أهلي يتناقشون في موضوع عرضي على طبيب نفساني فقد تفاقم وضعي، ثمانية أيام أخرى مرت بدون مشاكل حتى أنني بدأت أشفى من الصدمة، و صدقت أن لا شيء من ما حدث صحيح، في اليوم الحادي عشر فقدت ساعتي، بحثت عنها في كل مكان و لم أجدها ثم فجأة لمحتها فوق المكتب! بحثت هنا كيف ظهرت هكذا، ناديت أمي و سألتها عن الساعة فقالت أنها من وضعها هناك، اطمأننت.
    ياسمين: إذا كنت تتخيل؟ لا وجود لأورال؟
    - نعم لا وجود لأورال، تلك الليلة نمت متأخرا، حلمت أني اجري و نفر من الجن يجري خلفي حاولت زيادة السرعة لكنهم كانوا أسرع و عبر الكل من جسدي، اخترقوه كرصاصة دخلت ظهري و خرجت من صدري، أو كشبح يمر من خلاله الناس بدون أن يشعر أو يدري، كنت كغريق في حوض استحمام زلق أتخبط لأنجو، كنت اختنق، و بشق الروح فتحت عيناي و أدخلت كما هائلا من الهواء إلى رئتاي، كان في الهواء طعم حرق و رائحة حناء و شحنات زائدة، قلت انه مجرد كابوس، استغفرت ربي و تلوت بضع من آيات القرآن التي هجرتها، أغمضت عيناي لأعود إلى النوم و إذ بي اسمع صوت أنفاسه، كنت أحس بها هنا أمام أذني، أشعر بذرات الهواء الخارجة منه هي تصطدم بوجهي (و أشار بيده إلى خده ثم مسحه بطريقة عنيفة كأنه يرغب في مسح ذاكرته)، صرت ابحث كالأعمى على قفل المصباح الذي أمام رأسي، ثم كأن أحدهم جالس على حافة السرير، لم استطع سحب غطائي لأخفي وجهي تحته، كان جالسا هناك، و فجأة لامست يد أصابعي التي كانت تبحث عن قفل المصباح، صعدت القشعريرة من يدي إلى كل جسدي، كأنها جيش استعمار احتل بلدا ببطيء جزءا جزءا، خفت كثيرا، نهضت مسرعا متجاهلا كل شيء و أنرت الغرفة.
    قالت ياسمين و هي قاطبة حاجبيها: ماذا وجدت؟
    - لا شيء.
    سألته مرة أخرى: قلت لي لا وجود لأورال.
    - اجل لأورال وحده كان هنالك الكثير، بعد إضاءة الغرفة و تآكل سعات الليل و قبل الفجر بحوالي نصف ساعة جاءني صوته، هل أنت خائف؟ أجبت بسؤال: اورال؟ انطلقت ضحكات من الزوايا الأربع ثم صوت آخر أجاب، كلنا هنا أنت من أراد منا الدخول.
    كسر الحاجز و زال الستار.
    توالت الكوابيس فلم أجد سوا أن أضع عقد الفضة تحت وسادتي و الثوم بالقرب من مكان النوم كما شاهدت في الأفلام علها بذلك تكفهم عني لكن دون جدوى فلم يكن من آبي إلا اخذي إلى شيوخ الدين و لكن المشكل أن نفس الرد يتكرر دائما بأن هذا مجرد شك فقط...
    هنا فقد والدي الأمل و هو يرى حالتي تتكرر فقرر تغيير مكان سكننا و لكن.. لم يدري بأنه سيأخذني إلى وكر الموت و سلطان الجن بيديه، كانت بدايتنا جيدة فقد نجحت بالبكلوريا و رزقت بأخت جميلة، لكني اصبحت اكلم كل أصدقائي بالجامعة عنهم علهم يذهبون عني أو يصفون لي حلا ما لكنهم عادوا أقوى فالكوابيس المتكررة و التي زادت وتيرتها في الآونة الأخيرة حرمتني النوم فلم أجد حلا إلا أن أخرس للأبد و لا أتكلم عنهم مجددا.
    أشعر و كأن في داخلي العديد من الأشخاص تتصارع و كل واحد منها يحاول فرض رأيه و التحكم في هذا الجسد، تعمدت ضبط أعصابي و لكنني لم أتمكن، كل ما كان يخطر ببالي يتبخر و يرتطم بالجمجمة التي تكسوا هذا العقل الذي يعتريه أسى الفوضى فيتلاشى، لم تكن لدي القدرة على التمييز بين عالمهم الملعون و الخيال و لا حتى العالم الحقيقي الذي لم أعد أشعر بوجوده، تخدرت كليا و فقدت السيطرة على تفكيري.
    في مرة يا ياسمين لمس كتفي من خلف، أردت أن أقنع نفسي أني أتوهم و أتخيل، لم أنطق بكلمة، لم أحرك شفتاي حتى، فجاءني صوته ضاحكا، لا يا صغيري أنت لا تتوهم، تظن أنك بخير؟ لست كذلك، نحن في كل يوم نسحبك للأسفل، لم يبقى لك غير خطوة و تسقط في عالمنا للأبد و بدون رجعة، شعرت بشيء يضرب رأسي و غبت عن الوعي.
    أكاد أجن، همسه لا يتوقف، إنه ينخر رأسي باستمرار، يزداد وراء العصر و يصل الى أوجه بعد منتصف الليل، أما عن منتصف الأشهر القمرية فحدث و لا حرج، يزداد الكلام المفهوم و غير المفهوم و الضحكات و الهمس...
    توالت الأيام و الشهور و كلما أردت التحدث عنهم أصبت بتكتم خوف أن يستهزئ بي الناس، إلى أن التحقت طالبة جديدة بالفوج الدراسي، كانت أنت يا ياسمين.
    بسبب ابتسامتك الباردة و تصرفاتك الغريبة كنت محطة اهتمام الكثيرين قررت أن أبادلك الحديث وقبلت و لكن الأمر الذي كان يحيرني انك كنت تحجبين رسوماتك عن الجميع رغم جمالها، كانت خليط بين اسود و الأبيض بطريقة تحاكي مخيلتي عن العالم السفلي، أول مرة يا ياسمين أقص قصص الجن دون تكمتم مع شخص بعد أمي.
    ياسمين، جئتني كدافعة أرخميدس، لأرفع نفسي من العالم السفلي إلى الأعلى، و في محاولتي تلك، أرادوا منعي و تقييدي بهم، أذكر جيدا حين كنا ندرس معا و إذ بنا نسمع صوت الطباشير على الصبورة فاستدرت أنت لتريْ من يكتب و لم تجدي شيء، تلاها طرق في الزجاج و من ثم تزحزح الكرسي، كانوا متعمدين إخافتك لكنك و رغم ارتجافك رعبا قررتي البقاء، تدهورت صحتي، و أصابني سعال غير طبيعي فقال الأطباء أنها نوبة ربو، لكنني متيقن أنهم هم السبب، بقيت أسبوعا كاملا في المستشفى و لم أجتز امتحانات السداسي الثاني، كنت دائما ما تطلبين مني أصبر، أن أرى الجانب الإيجابي من كل هذا، غمرني الحزن و نمت، و حلمت مجددا، كان واحد فيهم شديد البشاعة شديد السواد و الطول، هربت لكنه ظهر في وجهي و أمسكني من رقبتي ثم رفعني عن الأرض، خنقني لم أستطع التنفس أعلم أنه حلم أردت الاستيقاظ منه لكنني لم أقدر، قلت سأقرئ القرآن وينتهي كل شيء لكن خانني لساني، خرجت من مرحلة النوم العميق و أصبحت شبه واعي كأنه جاثم مكبوب علي، أردت الحراك لإبعاده لم أقدر لم أستطع حتى تحريك يداي، ثم فجأة انقضى كل شيء و استطعت التنفس، لم تتوقف لم يتوقف الحال عند ذلك الحد، أمسكت يد ما رجلي، لا أذكر كيف أتممت تلك الليلة، لكن في الصباح الباكر طلب من أهلي أن يعينوني على ما أمر به.
    أن تعيش ما عشته أنا قد يدفع بك إما للانتحار أو الجنون لكن لم يحدث لي لا هذا ولا ذاك غادروني يوم قررت التخلي عنهم ،ظننت أنهم بداخلي لكن المرقي أكد لي عدم حدوث ذلك، هنا تركتهم وتركت الكلام معهم ،ودعوني على طريقتهم بعد أن ظهروا في إحدى الليالي في منامي، وكان لقاؤنا الأخير، و أيضا كما أخبرتك بإمكانك أن تصدق أو لا لكن أنهم حقا موجودون و أنا أقسم بذلك ...
    في ذلك اللقاء في المنام زارني الموت وبعدها أعطاني الله فرصة أخرى للحياة ،أن يزورك من كنت تكلمهم واللذين يفترض أن لا يكونوا مرئيين شيء يشبه الخيال، وجوه غريبة وملامح عجيبة ، لكن كل ذلك لن يحدث مجددا دائما ما خفي أعظم لذا لا تنم قبل أن تحصن نفسك قد يقتلوك يوما ...

    هذه المدونة تابعة لنادي القراء بجامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بو مدين حيث يعرض فيه الأعمال والروايات والخواطر والمقالات من إنشاء أعضاء من النادي .. نرجو أن تقضو معنا وقتا ممتعا

    الكاتب : أسامة

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة ل نادي القراء
    تصميم : USSDZ