404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • الجمعة، 3 أغسطس 2018

    اين حريتي




    المجموعة الثانية B: صرخة قلم

    اين حريتي

    يحكى ذات مرة عن رجل كان داخل زنزانة إنفرادية في السجن ، ضيقة جدا و مظلمة و لم تكن مساحتها تسمح له إلا بأن يجلس مربعا يديه و رجليه ، كل ما كانت تحويه الزنزانة هو ثقب صغير يمر منه بعض الطعام الذي ليس قابلا للأكل حتى ..يفتح ليمرر الطعام ثم يغلق مباشرة ..، كان يعيش السجين حالة من الحزن و اليأس فهو لم يكن يعرف ليله من نهاره و لم يكن له أي دراية بما يحصل خارج تلك الجدران، كل ما يعرفه هو السواد الذي يعيش داخله ..، مضت الأيام هكذا و بعد مدة بدأ السجين بالدخول داخل أفكاره و تخيل عالم غير الذي يعيش فيه .. نظر إلى الثقب و تخيله أكبر و مع مرور الأيام كبرت مساحة الثقب الذي يمر منه الطعام .. تخيل أن الأكل الذي يقدم له لذيذ لا يمكن مقاومته و أن المكان الذي يتواجد فيه واسع و مع مرور الأيام تمكن من تمديد رجليه و يديه و التحرك داخل الزنزانة .. أعجب السجين بما يحدث له و قرر الإستمرار في إستعمال مخيلته و عندها صنع عالما خاصا به كما يريده هو و صار يعيش داخله ..، بعد مدة تفطن السجين لأمر مهم ، تفطن إلى أنه استطاع أن يكون أكثر حرية من الذين خارج السجن ، اكتشف أنه يملك أثمن شيء في الوجود و الأدهى أنه لا أحد يمكنه سلبه إياه أو السيطرة عليه ...مخيلته ... ذلك الجزء الكبير في فكر كل إنسان و الغير مرئي و الذي يستطيع هو وحده التحكم فيه.. رغم أنه لا يعلم ماذا يوجد خارج تلك الجدران و ليس في متناوله أن يرى أو يسمع لكنه استطاع أن يذهب بأفكاره و خياله إلى أبعد مما يمكن للعقل تخيله .. صار حرا .. بكل ما للكلمة من معنى حرا فجعله هذا أكثر سعادة و تفاؤلا .. بعد أن كان يعيد صحن الطعام ممتلأ لا يأكل منه شيء أصبح يعيده فارغا، فأيقض هذا شكوك حارس الزنزانة الذي لم يفهم التغيير الذي حصل للسجين بعد أن كان الصمت يعم المكان صار يستمع لصوت ضحكاته تتعالى داخل الغرفة فانتابه الفضول لمعرفة ما يحصل للسجين و سر هذه التغيرات ، أراد أن يفتح الزنزانة ليرى ما يوجد داخلها .. قبل أن نعرف ما حل بالحارس هناك شيء أهم علينا معرفته ، أغلب الناس في هذا العالم يعيشون نفس الحياة التي عاشها هذا السجين داخل الزنزانة ، حتى و هم يتمتعون بكل حريتهم الجسدية إلا أنهم يعيشون داخل علبة ضيقة، مظلمة و فارغة و ما يرونه أو يسمعونه أو يعرفونه لا يتعدى حدود تلك العلبة ، ما يحصل حقا هو أن الحرية التي يمتلكها الغالبية هي نفس السجن الذي يعيش فيه صاحبنا .. غير أن الفرق هو أن سجن هؤلاء كان إراديا فهم من صنعوه ووضعوا أنفسهم داخله ، ثبطوا عقولهم و أفكارهم و قيدوا خيالهم و أحكموا عليه بالأغلال .. ما نفع حرية الجسد أن كانت أفكارك لا تتعدى تلك العلبة المظلمة؟ كما يعلم الجميع الفضول هو ما يجعلنا نكتشف الكثير من الأشياء ، و هو الذي يحرك في داخلنا الرغبة في البحث عن الحقيقة .. و هذا ما حصل مع الحارس فضوله الشديد نحو التغيرات التي تحصل للسجين داخل الغرفة جعله يراوده أياما و ليال.. ككل يوم يذهب السجين إلى منزله يلاقي أولاده و زوجته تقابله عند الباب بقائمة من الحاجيات ، ثم تضع له القهوة و تبدأ في سرد شكاوى اليوم و إعادة شكاوى الأمس و الأسبوع الذي مضى و ربما العام الذي سبق أيضا ..، فيشرب قهوته بسرعة و يخرج حتى دون أن يرتاح فقط هربا من كلامها الذي لا يتوقف عن ما حصل و ما لم يحصل .. يخرج ليلتقي بنسخه الطبق الأصل الموجودة في المجتمع و التي تحمل مثله هموم الدنيا على أكتافها فقط كل بلونه الخاص ، فتختلف الالوان لكن القصة واحدة .. يتوقف الحارس برهة ليفكر في ما يحصل فيتذكر السجين داخل الزنزانة وصوت ضحكاته ثم يرى نفسه و نسخه المتكررة تمشي بحرية لكن مقيدة من كل جهة ، فقال "إذا كان هو داخل زنزانة فأنا داخل القبر!" ، نعم بالفعل إنه القبر ، هو يعيش لكنه ميت فما نفع ذلك .. الأيام تمضي أمام عينيه دون أن ينجز شيئا لنفسه ، هو لا يملك الحق ان يحلم حتى أو هذا ما علمه إياه سجنه ، هو يعيش كما فرض عليه يمشي مع التيار و كل ما يريده هو أن يصل لكن إلى اين ؟ لا أحد منهم يعرف ... اليوم يحاول الحارس فك قيوده لكن عبثا فكلما هم بفك قيد خرج آخر ليعلن عن وجوده بقوة ، يمتلك الحارس عائلة و زوجة و أطفال و عمل ، أشياء جميلة جدا بل رائعة لكنه لا يشعر بالسعادة حاله حال الكثير في المجتمع ..ما دمت لم تفعل شيئا لنفسك و لم تحلم و لم تجري وراء مخيلتك فلن تسعد بما تملكه .. الحرية تبدأ من الفكر ، حرر أفكارك و خيالك ، كن سيدا على أفكارك و لا تجعل الناس يتحكمون حتى في أحلامك ، لا تخجل من أن تحلم ، أخجل أن تعيش و أنت تركض خلف حلم فرضه عليك المجتمع و طبيعة الحياة .. حرية الفكر جعلت السجين حرا داخل زنزاته و الحارس وضعته في قبر رغم حريته .. يقول نجيب محفوظ"و انت في طريقك للحياة لا تنس أن تعيش " ..

    هذه المدونة تابعة لنادي القراء بجامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بو مدين حيث يعرض فيه الأعمال والروايات والخواطر والمقالات من إنشاء أعضاء من النادي .. نرجو أن تقضو معنا وقتا ممتعا

    الكاتب : أسامة

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة ل نادي القراء
    تصميم : USSDZ